بازيار الحسن بن الحسين ( ظنّا )
26
البيزرة
ومن شأن النفس أن تتبع ما عزّها ، وبعد من ادراكها ، فإذا ظفرت بما هذه سبيله بعد إعمالها الحيلة فيه ، كان استمتاعها بالظفر به أكثر منه بما وقع عليها فتيسر ، وانقاد لها متسمحا . وهذا شبيه بما تأوّله يحيى بن خالد البرمكي في توصيته ولده ، بتقديم العدات أمام الهبات ، فإنه قال لهم : ان الموعد إذا تخيل فصدق ، وانتظر فطرق ، واستنجح فأنجح ، أمتع من مفاجأة البرّ . ولو أن محاول حرب ، أو مقارع جيش ، هلك عدوه قبل مكافحته إياه حتف أنفه ، أو انفلّ جيشه من سوء تدبيره فانصرف ، أو جاءه ضارعا طالبا لأمانه ، لما كان مقدار السرور بذلك كمقداره لو نازله فقهره ، أو بارزه فأسره . وهذا بيّن في الملاعب بالشطرنج فان أحذق الاثنين بها وأعلمهما بتدبيرها إذا تبين التفاوت بينه وبين الآخر ، ورآه متتابع الخطأ ، عميّا عن الاحتراز ، متورطا في الاغترار ، مفرقا عدده ، مستهينا لفنائه وتناقصه ، محتملا للطرح ، لم يلتذ بملاعبته ، ولم يحل له قمره « 1 » . ولو أن ملكا يهدى له في كل يوم عدد كثير من أصناف الوحش والطير ، لم يبلغ فرحه بذلك جزءا واحدا من اغتباطه بقنبرة ضئيلة يدأب في صيدها ، أو عكرشة « 2 » هزيلة يظفر بها ، وكم من جواد رائع يضن بظهره على أحب أولاده اليه قد قتله بازياره ، ولو أن الصيد أمكن مريغه في أول اثارته لنقص ذلك من لذته ، وقدح في موقعه . وقال بعض المحدثين : لولا طراد الصيد لم يك لذة * فتطاردي لي بالوصال قليلا هذا الشراب أخو الحياة وما له * من لذة حتى يصيب غليلا وأخذ هذا محمد بن الوزير الحافظ الغساني فكساه لفظا حسنا في كلمة له يعتذر فيها من تأخير هدية :
--> ( 1 ) قمر فلان الرجل : غلبه في القمار . ( 2 ) الأرنبة الضخمة والذكر منها خزز .